رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

510

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ » « 1 » . في تفسير البيضاوي : فليمدد بسببٍ من السماء ، ثمّ ليقطع ، فليستقص في إزالة غيظه أو جزعه بأن يفعل كلّ ما يفعله الممتلي غضباً أو المبالغ جزعاً حتّى يمدّ حبلًا إلى سماء بيته ، فيختنق من قطع إذا اختنق ؛ فإنّ المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه . وقيل : فليمدد حبلًا إلى سماء الدنيا ، ثمّ ليقطع به المسافة حتّى بلغ عنانها ، فليجتهد في دفع نصره وتحميل رزقه « 2 » . أقول : المراد بالسماء في الحديث هو المعنى الثاني على أنّ المعنيّ به عالم الملكوت . وحاصل الكلام أنّ الإمام يتوصّل إلى اللَّه تعالى بوصلة قائمة بينهما غير منقطعة ؛ على أنّ جملة « لا ينقطع » صفة لسبب . في القاموس : « السبب : الحبل ، وما يتوصّل به إلى الشيء » « 3 » . ويمكن أن يقرأ « يمدّ » بالبناء للمجهول ؛ من الإمداد بمعنى إعطاء المدد . والجملة حال من الإمام ، أي أمدّه اللَّه بمدد وسبب يتّصل إلى السماء غير منقطع عنه موادّ ذلك السبب . وفي نهج البلاغة في صفة الملائكة : « لا يَرجِعُ بهم الاستهتارُ بلزوم طاعته [ إلّا ] إلى موادّ من قلوبهم غيرِ منقطعةٍ من رجائه ومخافته ، ولم ينقطع أسبابُ الشَّفَقَةِ منهم ، فَيَنوا في جِدِّهم » « 4 » . في شرح بعض المحقّقين : لمّا كانت غاية عبادته هو الوصول إلى كمال معرفته ، وكانت درجات المعارف الإلهيّة غير متناهية ، لم يكن قَطْعهم لتلك المسافة ممكناً ، ولمّا كانوا غرقى في محبّته ، عالمين بكمال عظمته ، وأنّ ما يرجونه من تمام جوده أشرف المطالب وأربح المكاسب ، وما يخشى من انقطاع جوده ونزول حرمانه أعظم المهالك والمعاطب ، لاجرم دام رجاؤهم لهم وخضوعهم في رقّ الحاجة إليه والفزع من حرمانه ، وكان ذلك الرجاء والخوف هو مادّة استهتارهم بلزوم طاعته التي يرجون إليها من قلوبهم ، فلم ينقطع استهتارهم بلزومها .

--> ( 1 ) . الحجّ ( 22 ) : 15 . ( 2 ) . أنوار التنزيل ، ج 4 ، ص 118 . ( 3 ) . القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 81 ( سبب ) . ( 4 ) . نهج البلاغة ، ص 131 ، الخطبة 91 .